إيران على حافة الهاوية: الحرس الثوري بين تهديدات الخارج وثورة الجياع


هذا الخبر بعنوان "إيران فوق صفيح ساخن.. استنفار الحرس الثوري بين ترقب الصدام الخارجي وثورة الخبز" نشر أولاً على موقع 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه إيران أزمة معقدة ومتشعبة لم تشهدها منذ عقود، حيث تجد القيادة السياسية والعسكرية في طهران نفسها على أرضية هشة للغاية، تتفاقم بفعل الضغوط الخارجية والاحتقان الداخلي المتزايد. وتشير البيانات والمؤشرات الصادرة عن المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني من انكماش حاد، مما دفع الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية إلى حالة استنفار وتأهب قصوى غير معلنة. لا يقتصر هذا الاستنفار على الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة مع واشنطن، بل يعكس أيضاً مخاوف عميقة داخل أروقة صنع القرار الإيراني من اندلاع احتجاجات شعبية واسعة قد تزعزع الاستقرار الداخلي في الأشهر القادمة، نتيجة التدهور الحاد في مستويات المعيشة. وتصف التقارير الإعلامية هذا المشهد بأنه معضلة الكماشة الحقيقية، حيث يضطر قادة الحرس الثوري إلى تقسيم جهودهم بين مراقبة التوترات الخارجية ومستويات التصعيد الأمريكي المتوقع، وبين الجبهة الداخلية المرشحة للانفجار تحت وطأة العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة.
لم تعد العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران مجرد قيود دبلوماسية أو مالية يمكن التحايل عليها عبر التهريب، بل تحولت إلى حصار شامل يضرب العصب الحيوي للاقتصاد الإيراني ويتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. وتفيد أحدث التقارير الصادرة عن البنك الدولي بأن النشاط الاقتصادي في إيران يعاني من خلل شديد بسبب تضافر العقوبات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية. وقد شهد إجمالي الناتج المحلي الإيراني انكماشاً واضحاً، بالتزامن مع احتجاجات وإضرابات واسعة النطاق وانقطاعات متكررة في شبكات الإنترنت والاتصالات. وأوضح البنك الدولي أن تكلفة النزاعات والاضطرابات في الإمدادات التجارية والخوف من تعطيل صادرات النفط تفرض ضغوطاً مالية حادة على الموازنة العامة للدولة.
من جانبه، وثق صندوق النقد الدولي في بياناته الاقتصادية لعام 2026 تراجعاً قياسياً خطيراً في المؤشرات الكلية، متوقعاً انكماشاً حاداً في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران يصل إلى حوالي 7.6%. ولم يتوقف الخلل الهيكلي عند الانكماش، بل توازى مع قفزة كبيرة في معدلات التضخم وأسعار المستهلكين، التي توقع الصندوق أن تبلغ حوالي 78.6%. وقد أدى التدهور النقدي السريع والارتفاع الفلكي في الأسعار إلى شلل كامل في القدرة الشرائية للمواطنين، وشمل السلع الغذائية الأساسية والأدوية والخدمات الطبية، مما دفع الطبقة الوسطى للانحدار السريع نحو خط الفقر وزيادة مخاطر الأمن الغذائي. كما امتدت الآثار المدمرة لتشل قطاعات خدمية واستراتيجية حساسة، حيث فرضت واشنطن عقوبات مشددة استهدفت قطاع الطيران الإيراني والشركات المرتبطة به، مما أدى إلى إلغاء واسع النطاق للرحلات الدولية وعزل المسافرين والتجار الإيرانيين عن الأسواق العالمية، مسبباً خسائر فادحة لقطاع الأعمال ورفع تكاليف النقل والشحن.
في ظل المشهد المعيشي القاتم والانسداد الاقتصادي، رصدت تقارير صادرة عن مراكز أبحاث غربية تحركات مكثفة وغير اعتيادية للحرس الثوري في مختلف المحافظات الإيرانية. وتندرج هذه التحركات تحت مفهوم الأمن الاستباقي، حيث تعتمد الخطة الأمنية الحالية على محاولة خنق أي شرارة احتجاجية في مهدها. ويتجلى ذلك في إعادة تموضع واسعة النطاق لقوات الباسيج والحرس الثوري ونشرها في مراكز المدن الكبرى، وتكثيف التواجد الأمني وعناصر الاستخبارات في محيط الأسواق التاريخية والمناطق العمالية والصناعية.
في مؤشر واضح على أولويات النظام، كشفت تقارير إعلامية عن رفع الإنفاق المخصص للأجهزة الأمنية والعسكرية بنسب كبيرة، بينما جرى تخصيص زيادات ضئيلة للغاية للأجور والمعاشات لا تغطي سوى جزء بسيط من نسبة التضخم الحقيقية. ويوضح ذلك أن السلطة تستعد للمواجهة الأمنية مع مواطنيها بدلاً من معالجة الأزمة الاقتصادية. ويتكامل الحراك الميداني مع تأهب سيبراني رقمي غير مسبوق، عبر تشديد الرقابة على شبكات الإنترنت وملاحقة النشطاء الافتراضيين، حيث يرى الحرس الثوري أن الفضاء الرقمي هو غرفة العمليات الأساسية لإدارة الجماهير وتنسيق التظاهرات.
بينما يستنزف الداخل طاقات وموارد الأجهزة الأمنية، يجد الحرس الثوري نفسه مجبراً على إبقاء جهوزيته العسكرية الخارجية عند أعلى مستوياتها لمواجهة الغموض المحيط بالسياسة الأمريكية. وتشير القراءة التحليلية للموقف الأمريكي إلى استراتيجية ضغط أقصى متجددة وأكثر شراسة، لا تكتفي بالعقوبات الاقتصادية بل تلوح بالخيارات العسكرية. وتتضاعف المخاوف الإيرانية من احتمال شن واشنطن ضربات خاطفة أو تفعيل عمليات سيبرانية تخريبية تستهدف منشآت حيوية. ويفرض التهديد الخارجي الدائم على الحرس الثوري البقاء في حالة استنفار مستمر، ما يضع عبئاً لوجستياً وعملياتياً هائلاً على القيادة العسكرية المشتتة بين جبهة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، وجبهة داخلية محقونة وقابلة للانفجار.
يختلف الوضع الراهن في إيران نوعياً وبشكل جوهري عن الفترات السابقة، حيث تتميز الأزمة الحالية بتداخل العوامل والضغوط الاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مسبوق. وينجح تكتيك التخويف وبث الذعر الذي يمارسه الحرس الثوري في تأجيل الانفجار الشعبي، لكنه لن يمنعه على المدى الطويل، لأن الجوع والفقر وانعدام الأفق الاقتصادي، خصوصاً مع بلوغ التضخم حاجز 78% وفق أرقام صندوق النقد، يخلق حالة من اليأس الجماعي.
تتسم خيارات النظام الإيراني الحالية بالمرارة والخطورة العالية. فقد يمضي النظام في مسار الانكفاء الأمني المطلق وتفعيل القبضة الحديدية، معتبراً أن الحفاظ على بقاء هيكل السلطة يتقدم على أي اعتبار آخر. وفي المقابل، تبرز خطورة خيار الهروب إلى الأمام عبر التصعيد الخارجي، فقد تلجأ طهران إلى تحريك بعض أوراقها أو افتعال مناوشات بحرية في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز لإعادة توجيه الأنظار وتصدير الأزمة الداخلية نحو الخارج. وتؤكد كافة المعطيات أن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي بالغ الحرج. إن تشتت أعين الحرس الثوري الإيراني بين ترقب الضربات الخارجية ومراقبة غليان المرجل الداخلي، يعكس عمق المأزق البنيوي للنظام. فالأشهر المقبلة لن تكون مجرد اختبار للقدرة الاقتصادية للنظام على الصمود في وجه العقوبات الأمريكية المتصاعدة، بل ستكون اختباراً حاسماً لمدى تماسك وقدرة القبضة الأمنية والعسكرية على الصمود في مواجهة حراك شعبي يغذيه انهيار معيشي يلامس لقمة العيش اليومية للمواطن.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد