الإمارات
اقتصاد

الولايات المتحدة تضيق الخناق على إيران: استراتيجية

2420 أكتوبر 2026 في 12:46 م1 مشاهدة
الولايات المتحدة تضيق الخناق على إيران: استراتيجية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "استراتيجية "الخنق الأخير".. واشنطن تطوق منافذ طهران وتطارد الاقتصاد الموازي" نشر أولاً على موقع 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 20 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد فرض قيود على الممرات البحرية وتشديد الحصار الجوي، تركز واشنطن حاليًا على إغلاق ما تبقى من الطرق التجارية البرية لإيران، وذلك من خلال ضغوط أمريكية مباشرة وتنسيق مع تركيا وباكستان لتقييد حركة البضائع عبر الحدود. تأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية وزارة الخزانة الأمريكية المعروفة بـ "عملية المنبوذ الاقتصادي"، التي أعلن عنها وزير الخزانة سكوت بيسنت. تهدف هذه الاستراتيجية إلى التحول من مفهوم "الضغط الأقصى" إلى "العزل الكامل والقسري"، وذلك بسد الثغرات الاقتصادية التي سمحت لإيران بالصمود خلال السنوات الماضية. تتبع الإدارة الأمريكية مبدأ "التسامح الصفري" لإغلاق ما تصفه بـ "الجيوب الاقتصادية المتبقية" في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني أزمة حادة، تؤكدها البيانات الدولية التي ترصد انهيار مؤشراته الأساسية بسبب الحصار المستمر.

محاصرة الحدود البرية:

تُعد الحدود البرية لإيران مع جيرانها، خاصة تركيا وباكستان، قنوات حيوية للتحايل على العقوبات الغربية وتأمين السلع الأساسية والمواد الخام والصادرات غير النفطية. تدرك واشنطن أن تشديد الخناق على الموانئ البحرية وحظر الخطوط الجوية يدفع طهران إلى الاعتماد الكلي على شبكات النقل البري وسلاسل الإمداد اللوجستية عبر الحدود المشتركة. لذلك، تمارس وزارة الخزانة الأمريكية ضغوطًا قوية على تركيا، وتتخذ إجراءات موازية مع باكستان، لفرض قيود جمركية صارمة وتدقيق شامل على الشاحنات وحركة البضائع لمنع تهريب النقد الأجنبي والذهب والسلع ذات الاستخدام المزدوج. وقد بدأت باكستان بالفعل في إغلاق المنافذ الحدودية التجارية مع إيران وفرض قيود جمركية صارمة على الصادرات والواردات منها، في خطوة وُصفت بأنها تنفيذ للعقوبات الأمريكية.

تفكيك الاقتصاد الرقمي الموازي:

يُعد تفكيك الاقتصاد الرقمي الموازي أحد أهم العناصر المتبقية التي يجري تنفيذها قسريًا في خطة الوزير سكوت بيسنت. فبعد لجوء النظام الإيراني والشركات المرتبطة بالحرس الثوري إلى الأصول المشفرة كبديل لنظام "سويفت" الدولي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن تتبع واستهداف هذه الشبكات. وكشف وزير الخزانة الأمريكي أن واشنطن تعمل على مصادرة حوالي مليار دولار من العملات المشفرة التابعة لشبكات التمويل الإيرانية خارج النظام المصرفي، بعد تحديد مواقعها الرقمية. كما اتخذ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي إجراءات قانونية صارمة ضد منصات رقمية وكيانات مرتبطة برجال أعمال موالين للنظام، مثل إدراج منصة "BitBank" وشركات برمجيات تابعة لها، والتي اتُهمت بنقل مئات الملايين من الدولارات عبر "البتكوين" لصالح الحرس الثوري الإيراني. بالتوازي مع ذلك، رفعت وزارة العدل الأمريكية دعاوى مصادرة مدنية ضد أصول مشفرة تتجاوز قيمتها 61 مليون دولار في قضايا كشفت أن شبكات رقمية في الصين أدارت حسابات تداول عبر منصات كبرى لتسييل ما قيمته 1.5 مليار دولار من عائدات مبيعات النفط الإيراني في السوق السوداء.

ضربة قاصمة لصادرات النفط:

أثبت الحصار البحري الأمريكي لخطوط الملاحة الإيرانية كفاءة عالية. ورغم نجاح إيران تاريخيًا في بيع حوالي 90% من نفطها إلى جمهورية الصين الشعبية عبر ما يُعرف بـ "أسطول الظل"، إلا أن الإجراءات التنفيذية العسكرية والاقتصادية الأخيرة وجهت ضربة قاصمة لهذه التدفقات. وتشير بيانات تتبع الناقلات النفطية الدولية إلى انخفاض حاد في الصادرات النفطية الإيرانية المتجهة إلى الصين من 980 ألف برميل يوميًا في أغسطس (آب) إلى 475 ألف برميل يوميًا فقط في سبتمبر (أيلول)، مع توقف شبه كامل للوصول إلى الشواطئ الصينية بنهاية الشهر. وتتوعد الخزانة الأمريكية بفرض حزمة عقوبات ثانوية غير مسبوقة تستهدف المصافي الصينية المستقلة والمصارف الإقليمية الصينية الصغيرة التي تسهل هذه المعاملات. وأكد بيسنت علانية أن لا أحد فوق العقوبات الأمريكية، مما أجبر كبار المشترين في الصين على البحث عن بدائل نفطية من دول مثل العراق لتجنب المقاطعة الأمريكية.

تجفيف مصادر التمويل والعزل المالي:

تتكامل هذه الخطوات مع استهداف تجفيف ما تبقى من حسابات مراسلة للبنوك الإيرانية التي كانت تمثل متنفساً ماليًا لطهران. وتشمل العقوبات المباشرة حاليًا فروع بنك "ملي" الإيراني ومؤسسات مالية أخرى لقطع أي نافذة مصرفية متبقية تُستخدم لتمويل الواردات أو غسيل الأموال، بالتوازي مع العزل المالي والجغرافي للبضائع. كما فرضت الإدارة الأمريكية قيودًا على قطاع الطيران لفرض حجر جغرافي كامل على مسؤولي النظام والحرس الثوري وعائلاتهم، بهدف منعهم من السفر إلى العواصم الأوروبية أو الوصول إلى أصولهم العقارية والشخصية في مدن مثل لندن وباريس وجنيف، مما يشكل ضغطًا معنويًا ونفسيًا مباشرًا على النخبة الحاكمة.

صورة قاتمة للاقتصاد الإيراني:

ترسم التقارير الصادرة عن المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية صورة قاتمة جدًا للأثر المباشر الذي أحدثته حملة العزل الكامل على الداخل الإيراني. يؤكد البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي الأخير لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن الصراع المستمر والحصار البحري المفروض على الصادرات الإيرانية أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 10%، نتيجة الانهيار الحاد في صادرات الطاقة وعائداتها. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي والمؤشرات الإحصائية المتقاطعة إلى أن معدل التضخم السنوي في إيران قفز إلى 73.6%، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ أكثر من ثمانية عقود. كما سجلت أسعار المستهلكين مستويات قياسية بزيادة تجاوزت 89.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما قفز تضخم قطاع الأغذية والمشروبات بنسبة 121.1%، مما أدى إلى تآكل كامل للقدرة الشرائية للمواطنين ودفع بقطاعات واسعة منهم نحو خط الفقر المدقع. وتهاوت العملة المحلية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة أمام الدولار الأمريكي في السوق الحرة، وسط عجز البنك المركزي الإيراني عن التدخل للاستقرار نظرًا لتجميد أصوله وتراجع تدفقات النقد الأجنبي إلى مستويات سلبية.

معضلة وجودية للنظام الإيراني:

تثبت المعطيات الحالية أن الولايات المتحدة نجحت في تحويل استراتيجيتها الاقتصادية تجاه إيران من أداة ضغط سياسي إلى حصار شامل. ومع التوجه الأمريكي الجاد لغلق الطرق البرية المتبقية عبر تركيا وباكستان، ومصادرة الأصول الرقمية الموازية، يواجه النظام الإيراني معضلة وجودية غير مسبوقة. وتؤكد تقارير صندوق النقد والبنك الدوليين أن الاستمرار في هذا المسار دون إيجاد حلول سياسية سيقود الاقتصاد الإيراني نحو حالة من الركود التام وتحويل البلاد إلى اقتصاد معزول تمامًا عن النظام المالي واللوجستي العالمي.

شارك الخبر: