الإمارات
اقتصاد

تضارب الأسعار الجديد: انكماش التكرير العالمي وعجز المشتقات يغيران سوق النفط

2418 أكتوبر 2026 في 10:06 ص0 مشاهدة
تضارب الأسعار الجديد: انكماش التكرير العالمي وعجز المشتقات يغيران سوق النفط

تنويه

هذا الخبر بعنوان "انكماش طاقة التكرير العالمية وعجز المشتقات يفرضان واقعاً سعرياً جديداً للنفط" نشر أولاً على موقع 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهدت أسواق الطاقة العالمية في ختام الأسبوع الماضي ارتفاعات سعرية حادة، عكست تصاعد القلق الجيوسياسي الذي يؤثر على الإمدادات الدولية. اختتمت العقود الآجلة تداولاتها بارتفاعات واضحة، حيث أغلق خام برنت المرجعي عند 109.86 دولارات للبرميل، بينما حافظ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي على مستوى فوق 101 دولار، مسجلاً 101.84 دولاراً للبرميل. هذا الصعود السعري المتسارع ينهي حقبة التباين بين أسعار النفط الرخيصة والمشتقات الباهظة، ليبدأ مرحلة جديدة من "الالتحام السعري المتفجر" بين المنبع والمصب، نتيجة انسداد خطوط الملاحة الدولية وتفاقم الصدمات العسكرية في الممرات البحرية الحيوية.

وقد عززت التطورات السياسية والميدانية الأخيرة المخاوف من حدوث شلل تام في إمدادات النفط العالمية، حيث قفزت أسعار العقود الآجلة فور ظهور مؤشرات على فشل المساعي الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق هرمز. وتشير البيانات التشغيلية الميدانية إلى تراجع في الملاحة اليومية في المضيق، مما اضطر دولاً منتجة رئيسية مثل العراق إلى اللجوء لخيارات لوجستية طارئة ومكلفة، كالتصدير براً عبر الصهاريج باتجاه الموانئ السورية. لم تعد الندرة محصورة في معالجة الخام وتحويله، بل امتدت الأزمة إلى تأمين خطوط الشحن، مما تسبب في قفزات جنونية في أقساط التأمين البحري على الناقلات المارة عبر مضيق هرمز وباب المندب، وهي تكاليف إضافية تُمرر بالكامل إلى سعر الوقود النهائي.

تزيد قفزة أسعار الخام من تعقيد الموقف في قطاع المصب والتوزيع، حيث تواجه البنية التحتية لتكرير النفط حول العالم عجزاً هيكلياً هائلاً في المشتقات. وطبقاً لتقارير منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، فإن طاقة التكرير العالمية الفائضة تتعرض لضغط حاد نتيجة ضعف الاستثمارات طويلة الأجل في بناء مصافٍ جديدة في الدول الغربية، بفعل سياسات التحول الأخضر المتسارعة، مما يجعل المنظومة تعمل بطاقتها القصوى المتاحة دون مرونة تشغيلية.

تتجلى أزمة التكرير في شلل وتعطيل نحو 30% من قدرات تكرير الديزل والبنزين في روسيا نتيجة الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة، لينخفض إنتاجها إلى 3.8 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى تسجله موسكو منذ أكثر من عشرين عاماً. كما تسببت التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط في خفض إنتاج مصافي المنطقة 27%، ليستقر عند 6.5 مليون برميل يومياً، مما يهدد مباشرة خُمس صادرات الديزل المحمولة بحراً عالمياً. وفي سياق متصل، تشير بيانات معالجة التكرير العالمي إلى انكماش هيكلي بمتوسط تراجع يبلغ 2.3 مليون برميل يومياً لكامل العام الحالي، مسجلةً انخفاضات موسمية حادة، ما دفع هوامش التكرير في حوض الأطلسي إلى مستويات قياسية تاريخية.

امتدت التداعيات لتضرب المصدات الحمائية الأخيرة لأسواق الطاقة، حيث تؤكد تقارير مؤسسة "وود ماكينزي للأبحاث والاستشارات" أن الاعتماد المفرط للأسواق على نظام الإمداد الفوري جردها من المرونة اللازمة لمواجهة الطوارئ. وتجلى ذلك بوضوح في جفاف المخزون الأمريكي، حيث تراجعت المخزونات الإجمالية للولايات المتحدة (التجارية والاحتياطي البترولي الاستراتيجي معاً) إلى أدنى مستوياتها المجتمعة منذ 1984، نتيجة اضطرار واشنطن للعب دور المورد الطارئ عبر زيادة صادرات الديزل والبنزين. وعالمياً، سجلت المخزونات البترولية انخفاضاً حاداً بمقدار 69 مليون برميل في شهر يوليو (تموز) وحده، ليصل إجمالي التراجع التراكمي منذ تصاعد النزاعات الجيوسياسية إلى 410 ملايين برميل، وبمعدل سحب يومي مخيف يبلغ 2.7 مليون برميل يومياً، مما يضع الأسواق العالمية أمام شتاء قارس دون شبكة أمان حقيقية.

بات الارتفاع القياسي في النفط الخام يتضاءل أمام الارتفاع الجنوني لأسعار المنتجات المكررة، إذ قفزت أسعار الديزل وزيت الغاز – اللذين يمثلان 30% من الطلب العالمي – لتتجاوز حاجز 200 دولار للبرميل (ما يعادل قرابة 6 دولارات للجالون تجارياً في الولايات المتحدة)، وهي مستويات تفوق بكثير كلفة برميل النفط الخام نفسه.

بناءً على هذه المعطيات، يتوقع محللو الاستثمار في مؤسسات مالية كبرى مثل "مورغان ستنالي" و"غينيس غلوبال إنفيستورز" أن تجبر هذه الفجوة التكريرية والسعرية الأسواق على الدخول قسراً في مرحلة "تدمير الطلب". ومن المتوقع أن يتسبب نقص الوقود المكرر في انكماش قسري للطلب العالمي بواقع 1.6 إلى 2.5 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، نظراً لعدم قدرة قطاعات النقل البري، الشحن البحري، والصناعات الثقيلة على تحمل التكاليف التشغيلية الباهظة، ما يمهد الطريق لعودة شبح الركود التضخمي الذي يهدد نمو الاقتصاد العالمي ككل.

تثبت المعطيات الحالية أن أزمة الطاقة العالمية قد خرجت عن السيطرة التقليدية، فالأسواق لم تعد تواجه مجرد ضعف في الاقتصاد العالمي يؤثر على الطلب، بل تواجه صدمة عرض شاملة ومزدوجة تضرب منبع النفط الخام ومصب تكريره ومسالك نقله معاً. ومع بقاء التوترات العسكرية دون حل، فإن الضغوط التضخمية ستظل ممتدة على المدى المتوسط، مهددة بدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عميق، ما لم تشهد البنية التحتية وممرات الإمداد انفراجة سياسية وعسكرية شاملة تعيد بناء منظومة الأمان النفطي الدولي.

شارك الخبر: