الإمارات
اقتصاد

الرسوم الجمركية الأمريكية: إعادة تشكيل التجارة العالمية وأدوات الضغط الجديدة

2430 أكتوبر 2026 في 04:32 م0 مشاهدة
الرسوم الجمركية الأمريكية: إعادة تشكيل التجارة العالمية وأدوات الضغط الجديدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حرب الرسوم الجمركية.. كيف تعيد واشنطن رسم خريطة التجارة العالمية؟" نشر أولاً على موقع 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد الرسوم الجمركية الأمريكية مجرد آلية لحماية الصناعات المحلية أو معالجة العجز التجاري، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لإعادة تعريف شروط دخول السلع إلى السوق الاستهلاكية الأكبر عالمياً. تربط واشنطن الآن الامتيازات التجارية بالتزامات صارمة تتعلق بالاستثمار، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد، وضمان فتح الأسواق أمام المنتجات الأمريكية. تكشف القرارات الأخيرة لواشنطن عن مسارين متوازيين: توسيع نطاق الرسوم على عشرات الشركاء التجاريين، ومنح بعض الدول معاملة جمركية تفضيلية عبر اتفاقات وترتيبات ثنائية. هذا يعني أن كلفة التصدير إلى الولايات المتحدة أصبحت مرتبطة بشكل مباشر ببلد المنشأ، وتصنيف المنتج، والإطار القانوني المطبق عليه.

واشنطن توسع نطاق الرسوم لتشمل 60 اقتصاداً

وسعت الإدارة الأمريكية من استخدام أدوات سياستها التجارية، حيث أعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي في 23 يوليو (تموز) 2026 عن فرض رسوم إضافية بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 على واردات من 60 اقتصاداً. جاء هذا القرار بعد تحقيقات خلصت إلى عدم اتخاذ هذه الدول إجراءات كافية لمنع استيراد السلع المنتجة باستخدام العمل القسري. دخلت هذه الإجراءات حيز التنفيذ في 24 يوليو (تموز) 2026، مع استثناءات محدودة للشحنات التي كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة قبل الموعد المحدد، بالإضافة إلى إعفاءات لمنتجات معينة، وفقاً للإشعار الرسمي المنشور في السجل الفيدرالي الأمريكي بتاريخ 28 يوليو (تموز) 2026. لا تقتصر هذه الإجراءات على السلع المثبت إنتاجها بالعمل القسري، بل تشمل، مع الاستثناءات المقررة، منتجات الدول المشمولة بالتحقيقات، بناءً على تقييم واشنطن لسياسات تلك الدول في منع هذه الممارسات.

رسوم متفاوتة تتراوح بين 10% و12.5%

حدد القرار الأمريكي رسوماً بنسبة 10% على واردات 17 اقتصاداً، من بينها الأرجنتين، بنغلاديش، كندا، الهند، إندونيسيا، ماليزيا، والمكسيك، والمملكة المتحدة. في المقابل، فُرضت رسوم بنسبة 12.5% على اقتصادات أخرى مشمولة بالتحقيقات، مع ترتيبات خاصة لعدد من الشركاء التجاريين. تختلف آلية احتساب الرسوم لبعض المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي، تايوان، اليابان، كوريا الجنوبية، وسويسرا. تُحتسب الرسوم الإضافية في هذه الحالات بعد مراعاة تعرفة الدولة الأولى بالرعاية، وصولاً إلى المستوى المحدد لكل فئة، بدلاً من إضافة النسبة كاملة بصورة تلقائية إلى التعرفة الأساسية. كما نص القرار على إمكانية اعتماد حصص جمركية تفضيلية مرتبطة باستخدام مدخلات إنتاج أمريكية في بعض الصناعات لدى بنغلاديش، كمبوديا، إندونيسيا، وماليزيا، مما يعكس توظيف السياسة الجمركية لتشجيع شراء المواد الخام والمنتجات الأمريكية.

اليابان: سقف جمركي عند 15%

انتقلت الترتيبات التجارية بين واشنطن وطوكيو إلى مرحلة التنفيذ بموجب الأمر التنفيذي الأمريكي الصادر في 4 سبتمبر (أيلول) 2025، الذي وضع إطاراً لتعرفة إجمالية بنسبة 15% على معظم الواردات اليابانية، مع معاملة منفصلة لبعض القطاعات. نص الأمر على استكمال التعرفة الأساسية إلى مستوى 15% للسلع المشمولة التي تقل رسومها الأصلية عن هذه النسبة، دون فرض رسم إضافي على السلع التي تبلغ تعرّفتها الأساسية 15% أو أكثر. طُبقت الأحكام بأثر رجعي اعتباراً من 7 أغسطس (آب) 2025. تضمن الاتفاق ترتيبات خاصة بالسيارات وقطع الغيار، الطائرات المدنية، الأدوية الجنيسة، وبعض الموارد الطبيعية، إلى جانب تعهدات يابانية بتوسيع مشتريات المنتجات الأمريكية والاستثمار في الولايات المتحدة.

الاتحاد الأوروبي: اتفاق تجاري دخل حيز التنفيذ

دخل الإطار التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في الأول من يوليو (تموز) 2026، بعد استكمال إجراءات الموافقة الأوروبية، استناداً إلى التفاهم الذي توصل إليه الجانبان في يوليو (تموز) 2025 والبيان المشترك الصادر في أغسطس (آب) من العام نفسه. ينص الترتيب على سقف جمركي أمريكي قدره 15% للمنتجات الأوروبية المشمولة، مقابل إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم على الواردات الصناعية الأمريكية وتحسين شروط دخول بعض المنتجات الزراعية والغذائية. ومع ذلك، أبقى الاتفاق على نقاط خلاف مرتبطة بالرسوم الأمريكية على مشتقات الصلب والألمنيوم، حيث يحتفظ الاتحاد الأوروبي بإمكانية تعليق الامتيازات الممنوحة للولايات المتحدة إذا لم تُخفض هذه الرسوم، التي تصل إلى 50% على بعض المنتجات، إلى المستوى المتفق عليه بحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2026. تعكس هذه الآلية محاولة أوروبية للجمع بين الحفاظ على استقرار العلاقات التجارية مع واشنطن والاحتفاظ بأدوات للرد على أي إخلال بالالتزامات المتبادلة.

الهند: تفاهمات جمركية دون اتفاق نهائي

على الجانب الآخر، لم تنجح الولايات المتحدة والهند في استكمال اتفاق تجاري نهائي، رغم توصلهما في فبراير (شباط) 2026 إلى إطار تفاهمي خفّض الرسوم العقابية الأمريكية على معظم السلع الهندية إلى 18%، مقارنة بمستوى سابق بلغ 50%. تعقدت المفاوضات لاحقاً بسبب الخلافات المتعلقة بمشتريات الهند من النفط الروسي، ومطالب واشنطن بفتح قطاعات زراعية هندية أمام صادراتها، فضلاً عن استمرار تحقيقات تجارية أمريكية قد تؤثر في الرسوم النهائية. وصلت المحادثات إلى مرحلة جمود، مع غياب مؤشرات على اتفاق وشيك، رغم استمرار الاتصالات بين الجانبين. تسعى نيودلهي إلى حماية قطاعات حساسة، بينها الألبان والحبوب والدواجن، والحصول على معاملة أكثر استقراراً لصادراتها. تظل التعرفة النهائية على بعض المنتجات الهندية مرتبطة بتطورات المفاوضات والإجراءات التجارية الأمريكية الأخرى، مما يجعل من غير الدقيق اعتبار نسبة 18% سقفاً نهائياً وشاملاً لجميع الواردات الهندية.

كندا: إعفاءات جديدة ورسوم إضافية

في أحدث تعديل على السياسة الجمركية تجاه كندا، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلاناً في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 لتغيير نطاق المنتجات الكندية الخاضعة لرسوم إضافية بنسبة 50%، على أن يبدأ تطبيق التعديلات في 30 أكتوبر (تشرين الأول). استند الإجراء إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية الأمريكي لعام 1930، في إطار خلاف يتعلق بما تعتبره واشنطن معاملة تمييزية لصادراتها من السيارات وقطع الغيار، وليس إلى المادة 301 المستخدمة في تحقيقات العمل القسري. شملت التعديلات استبعاد بعض المنتجات الكندية من نطاق الرسوم الإضافية، وإدراج منتجات أخرى ضمنها، مما يؤكد أن المعاملة الجمركية قد تختلف حتى بين السلع القادمة من الشريك التجاري نفسه. لا تعني نسبة 50% فرض تعرفة عامة على جميع الواردات الكندية، بل تطبيق رسوم إضافية على المنتجات المحددة في القوائم الملحقة بالإعلان، مع مراعاة الرسوم الأخرى التي قد تنطبق بموجب تشريعات مختلفة.

الشركات أمام خريطة جمركية متغيرة

تضع هذه التحولات الشركات المصدرة والمستوردة أمام بيئة تجارية أكثر تعقيداً. لم يعد تحديد كلفة دخول السوق الأمريكية يعتمد على التعرفة الأساسية وحدها، بل بات يتطلب مراجعة بلد المنشأ، والتصنيف الجمركي، والاستثناءات القطاعية، وأحكام الاتفاقات الثنائية. تزداد أهمية مراجعة سلاسل التوريد والوثائق المتعلقة بمنشأ السلع ومدخلات الإنتاج، خصوصاً مع ارتباط بعض الإجراءات الأمريكية بممارسات العمل القسري أو استخدام مواد أولية من مصادر محددة. تشير هذه التطورات إلى تحول السياسة الجمركية الأمريكية من منظومة رسوم عامة نسبياً إلى شبكة من الإجراءات المتداخلة، تجمع بين الضغوط التجارية والحوافز التفاوضية والاستثناءات المشروطة، بما يزيد الحاجة إلى تقييم تكلفة كل شحنة وفق القواعد السارية وقت دخولها السوق الأمريكية.

شارك الخبر: