العراق يطمح لقيادة الممر الرقمي: كيف يعيد تشكيل خريطة الاتصالات بين الخليج وأوروبا؟


هذا الخبر بعنوان "طموح العراق الرقمي.. كيف يعيد رسم خريطة الاتصالات بين الخليج وأوروبا؟" نشر أولاً على موقع 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 22 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يسعى العراق، الذي ارتبط اسمه تاريخياً بالنفط وطرق التجارة البرية، إلى إعادة تعريف دوره الجغرافي ليصبح ممراً رقمياً حيوياً يربط بين الخليج وآسيا وأوروبا. يأتي هذا التوجه في ظل انكشاف هشاشة الممرات البحرية التقليدية لنقل البيانات بسبب الأزمات المتكررة، وتزايد الطلب على الاتصال بشكل غير مسبوق مدفوعاً بطفرة الذكاء الاصطناعي. وفي خطوة بارزة نحو تحقيق هذا الهدف، أبرمت شركة "أريد لشبكات الألياف"، وهي الذراع الدولية لمجموعة "أريد" القطرية، اتفاقية مع شركة "آي كيو نتوركس" العراقية لشراء عدة أزواج من الألياف الضوئية المظلمة، بهدف نقل البيانات عبر الأراضي العراقية باتجاه تركيا ومن ثم إلى أوروبا، وذلك وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء القطرية "قنا".
هندسة الممر الرقمي: ما هي الألياف المظلمة؟
الألياف المظلمة هي ألياف ضوئية تم مدها ولكنها لم تُفعّل بعد لنقل البيانات. تكمن أهمية شرائها في منح المشتري القدرة على تركيب معداته الخاصة لتشغيلها، مما يوفر تحكماً كاملاً في سعاتها وطرق إدارتها وتطويرها، دون التقيد بمعدات المورد أو قيوده. هذا النموذج يمنح مشغلي الاتصالات وشركات التكنولوجيا الكبرى مرونة عالية لتوسيع سعاتهم بما يتناسب مع احتياجاتهم المتغيرة.
الربط البحري البري: مكونات الممر
يعتمد الممر الرقمي على مكونين متكاملين: الأول بحري، وهو نظام الكابل البحري "فايبر إن غلف"، الذي وصفته "أريد" بأنه أكبر نظام كابلات بحرية يُبنى في منطقة الخليج، بسعة تصل إلى 720 تيرابت في الثانية عبر 24 زوجاً من الألياف، ويربط قطر وعُمان والإمارات والبحرين والسعودية والكويت والعراق في حلقة واحدة. أما المكون الثاني فهو بري، حيث تتصل نقطة إنزال الكابل على السواحل العراقية بشبكة ألياف تمتد شمالاً حتى الحدود التركية، ومنها إلى أوروبا. وكانت "أريد" قد وقعت في مارس (آذار) 2025 اتفاقية مع الشركة العامة للاتصالات والبريد العراقية لإنزال الكابل في العراق. وتجدر الإشارة إلى أن "آي كيو نتوركس" لا تبدأ من الصفر، حيث تشغل الشركة نحو 12 ألف كيلومتر من الألياف الضوئية في العراق، بحسب موقع "داتا سنتر دايناميكس" المتخصص.
تجاوز اختناق البحر الأحمر: مسار بديل وأسرع
تعتمد غالبية حركة الإنترنت بين آسيا والخليج وأوروبا حالياً على كابلات بحرية تمر عبر البحر الأحمر، ثم الأراضي المصرية وصولاً إلى البحر المتوسط. هذا الاعتماد على مسار واحد يعرض حركة البيانات لمخاطر كبيرة، كما كشفت الأزمات المتتالية. ففي فبراير (شباط) 2024، تضررت 4 كابلات بحرية في البحر الأحمر، مما اضطر مزودي الخدمة إلى إعادة توجيه ما يصل إلى ربع حركة البيانات بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وفقاً لشبكة "سي إن إن". وتكررت الحوادث في سبتمبر (أيلول) 2025 بانقطاع عدة كابلات رئيسية، مما أثر على خدمات "مايكروسوفت" السحابية.
يقدم المسار العراقي بديلاً برياً يقلل من مخاطر انقطاع الكابلات البحرية ويختصر زمن انتقال البيانات بشكل كبير. فبينما تستغرق البيانات المنقولة بحراً من الخليج إلى أوروبا حوالي 150 جزءاً من الثانية، يخفض المسار البري العراقي هذا الزمن إلى حوالي 70 جزءاً من الثانية، وفقاً لتقديرات "آي كيو نتوركس"، أي أقل من النصف تقريباً. يعود هذا الاختصار إلى أن العبور البري من جنوب العراق إلى تركيا يمثل أقصر طريق بين الخليج وأوروبا، مقارنة بالمسار البحري الذي يلتف حول شبه الجزيرة العربية عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب: طفرة مراكز البيانات في الخليج
يأتي إنشاء هذا الممر الرقمي في وقت تشهد فيه المنطقة سباقاً محمومًا لبناء مراكز البيانات. ففي الإمارات، يجري العمل على مشروع "ستارغيت الإمارات"، وهو مجمع للحوسبة بقدرة غيغاواط واحد، تطوره "جي 42" بالشراكة مع "أوبن إيه آي" و"أوراكل" و"إنفيديا" و"سيسكو" و"سوفت بنك"، ومن المتوقع أن تدخل أول 200 ميغاواط منه الخدمة في 2026. تحتاج هذه المراكز، بالإضافة إلى مراكز شركات الحوسبة السحابية الكبرى في المنطقة، إلى سعات نقل هائلة وزمن استجابة منخفض للربط بأوروبا، وهو ما يستهدفه الممر بشكل مباشر. فقد صُمم المشروع لتلبية الطلب المتزايد من مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وشركات الاتصالات.
اختبار عملي في زمن الحرب: العراق كمركز عبور رقمي
لم يعد المسار العراقي مجرد فكرة نظرية، بل أصبح واقعاً عملياً. تستخدم شركات أمريكية كبرى تشغل مراكز بيانات في الخليج شبكة "آي كيو نتوركس" لنقل البيانات خارج منطقة الحرب، عبر ألياف ضوئية مُدت بمحاذاة أنابيب النفط العراقية، وتعمل منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 كمسار احتياطي في حال تعطل الكابلات البحرية.
يمثل المشروع تحولاً في دور العراق، من مجرد سوق مستهلكة لخدمات الإنترنت إلى مركز عبور إقليمي ودولي يربط القارات، محولاً موقعه الجغرافي إلى مصدر دخل. وتعمل الحكومة العراقية على تعزيز هذا الدور من خلال خفض رسوم تمرير سعات الإنترنت عبر العراق بنسبة 40%، مما أدى إلى تلقي عروض رسمية من دولتين خليجيتين لتمرير سعاتهما الرقمية إلى أوروبا عبر بنيته التحتية. كما أعلنت الوزارة عن تقدم كبير في مشروع إنزال كابل "إس تي سي" السعودي، بالإضافة إلى اتفاقيات مماثلة مع "أريد" القطرية و"إي آند" الإماراتية لإنزال كابلات بحرية في العراق.
عوائد مباشرة وغير مباشرة
يفتح الممر الباب أمام عوائد مباشرة للحكومة من رسوم العبور والإنزال، وأخرى غير مباشرة عبر جذب الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وتعزيز دور شركات القطاع الخاص المحلية مثل "آي كيو نتوركس"، إلى جانب الشركات الحكومية.
التحديات والآفاق
لا تزال الاتفاقية بين "أريد" و"آي كيو نتوركس" خاضعة للموافقات التنظيمية، ولم يُعلن جدول زمني رسمي لتشغيل الممر المتكامل. يبقى نجاح الممر مرهوناً بالاستقرار الأمني والسياسي في العراق، وقدرته على حماية خطوط الألياف البرية الممتدة لآلاف الكيلومترات، وضمان الأمن السيبراني لحركة البيانات العابرة للحدود. كما أن الكابل البحري المغذي للممر يمر عبر مياه الخليج ومضيق هرمز، الذي تشهد الملاحة فيه اضطرابات. يدخل العراق سوقاً يهيمن عليها المسار المصري منذ عقود، ما يتطلب منه تقديم ميزة تنافسية مستدامة في الكلفة والموثوقية، لا في السرعة فحسب. يملك العراق موقعاً فريداً يجعله أقصر جسر بري بين الخليج وأوروبا، ومع تكرار أزمات البحر الأحمر وتسارع الطلب على البيانات بفعل الذكاء الاصطناعي، تبدو الفرصة متاحة أمامه ليصبح ممراً رقمياً بديلاً. لكن تحويل الجغرافيا إلى نفوذ رقمي يتطلب بيئة تنظيمية وأمنية مستقرة تطمئن الشركات العالمية إلى أمان بياناتها.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
اقتصاد